التــــــــربيــــــــــة
يقول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون".

الحق والباطل

 

طباعةطباعة


 

الحق والباطل

بقلم: بن سالم باهشام

 

سنة التدافع


قال تعالى : ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾الأنبياء 18
ويقول الحق عز وجل في سورة البقرة: ﴿ ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ الآية 249

إنها سنة الله في الأرض إلى قيام الساعة، سنة التدافع، وعندما يذكر التدافع فإنه يقصد به تدافع الحق مع الباطل. لهذا يجب أن يكون هذا التدافع في كل مجالات الحياة، والتربوية، والتعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية والسياسية... وفي مجال البراعم والشباب والمرأة والأسرة وفي غيرها من المجالات.

إن هذا التدافع يقتضي منا أن نعرف كل صفات الحق والباطل، وإلا فإن جهلنا بمميزاتهما وصفاتهما يجعلنا نُنزل الباطل منزلة الحق أو العكس.

وقد نخدع بشكل الباطل المغري المزيف الجذاب. فندعو إليه، أو تفزعنا ضخامته وانتفاخه وانتفاشه فنستسلم أمامه.


من أمثال القرآن الكريم


بما أن بالمثال يتضح المقال، فقد ضرب الله جل في علاه مثلا في الحق والباطل ليقرب للمفاهيم الصورة الحقيقية، فقال في سورة الرعد: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل،فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال﴾ الآية 19

أيها القارئ الكريم، أعرني قلبا واعيا، وتدبر معي هذه الآيات لتستوعب هذا المثل الذي ضربه الله جل جلاله، ولتدرك حقيقة الحق وحقيقة الباطل حتى لا تغتر وتخدع بصورة الباطل المزيف، وحتى لا تهابه، وإن لم تدرك حقيقة هذا المثل الذي ضربه الحق عز وجل، فابك على نفسك،لأن بعض السلف قال: ) كنت إذا قرأت مثلا في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن الله تعالى يقول:﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾.

إن الله عز وجل أنزل من السماء مطرا فجرت مياه الأودية بمقدار سعتها كل بحسبه، فالكبير بمقدار كبره، والصغير بمقدار صغره، ونتيجة هذه الأمطار أحدث سيل، وحمل هذا السيل زبدا عاليا فوقه، وهو عبارة عن غثاء ورغوة تظهر على وجه الماء.


الحق والباطل في المثل القرآني


فأين الحق في هذا المثل القرآني، وأين الباطل؟.
*إن المطر هو العلم والهدى كما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري ومسلم في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : ) إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا...( الحديث.
* والأودية إشارة إلى القلوب، وتفاوتها كتفاوت الأودية، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم، بل يضيق عنها. قال الطبري رحمه الله : (هذا مثل ضربه الله للحق والباطل والإيمان والكفر، فمثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله، مثل الماء الذي أنزله الله من السماء على الأرض فاحتمل السيل زبدا رابيا، أي غثاء ورغوة مرتفعا منتفخا، فالحق هو الماء الباقي الذي يمكث في الأرض، والزبد الذي لا يُنتفع به هو الباطل) .

هذا أحد مثلي الحق والباطل، أما الثاني الوارد في الآية، هو ما يوقدون عليه في النار ويذاب في الذهب والفضة قصد صنع الحلية، أو النحاس والحديد قصد صنع المتاع مما ينتفع به كالأواني، وعند تذويب هذه المعادن يظهر خبث طافي كزبد الماء.

*فمثل الحق في ثباته واستقراره كمثل الماء الصافي الذي يستقر في الأرض فينفع الناس.
* ومثل الباطل في زواله واضمحلاله كمثل الزبد والغثاء الذي يغطي الماء ولا خير فيه، بل يتلاشى ويضمحل، فالماء الصافي والمعدن يبقيان ويثبتان في الأرض، والزبد يذهب جفاء.


الحق والباطل في هذه الحياة


هذان مثلان ساقهما الله جلت قدرته لنعتبر بهما ونتعظ. إن الماء عندما ينزل من السماء فتمتلئ به الأودية ويسيل فإنه يلم في طريقه غثاء يطفو على وجه الماء في صورة الزبد، حتى إنه ليحجب هذا الزبد الماء في بعض الأحيان. حتى إننا نجد هذا الزبد منتفخا إلا أنه غثاء في حقيقته، والماء من تحته ساكن هادئ، هكذا الحق والباطل في هذه الحياة الدنيا، قد يطفو الباطل ويعلو وينتفخ ويبدو طافيا مرتفعا، ولكنه مجرد زبد ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحا لا حقيقة له ولا تماسك فيه، وما قلناه عن الماء نقوله عن المعادن المذابة، ويظل الحق هادئا ساكنا، وربما يلاحظ صاحب النظرة السطحية والذي يجهل حقيقة الأمور أنه لا يوجد في الأودية سوى الزبد وأنه لا يوجد بعد ذوبان المعادن سوى خبثها أما الماء والمعادن فلا وجود لها، بمعنى أن الناظر إلى أنواع الباطل الموجود في واقع الناس وتغطيته للحق يعتقد أن الباطل هو المهيمن وأن الحق قد انزوى وضاع أو مات، والحقيقة أنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الذي ينتفع الناس به.


الرجال لا يقفون مع المثال وإنما مع الحال


هذا ما يمكن قوله عن طغيان الأنظمة الظالمة وتكميمها للأفواه، وطمسها للحق، وتأميمها للمساجد، وتدجينها للعلماء الذين ليس لهم يقين في الله، وشرائها لضمائر الناس وخصوصا الذين لم يستوعبوا هذه الأمثال القرآنية، وضعف يقينهم في وعد الله، وإنفاقهم الأموال الطائلة فيما يغضب الله، وترويعهم للآمنين، إلى غير ذلك من أنواع الباطل. فمهما أنفقت هذه الأنظمة الظالمة من أموال الأمة، ومهما حاربت بها الدين، ومهما خدرت بها أفراد المجتمع، فسيبقى الحق هو الثابت والنافع، وسيضمحل شأن الباطل إن شاء الله تعالى ويذهب لأنه لا قرار له أمام الحق الذي من صفاته الثبات.


مصدر الزبد والباطل في الحياة


إن الله سبحانه وتعالى عرض لنا الحق والباطل في صورة دقيقة، ومثل لنا موقع الباطل في هذا الوجود إلى جانب الحق الأصلي، وقد يتساءل الواحد منا ـ وحق له ذلك- فيقول : ومن أين أتى هذا الزبد الذي هو بمثابة الباطل، والذي غطى صورة الحق ؟ إنه جاء نتيجة غازات منتفخة، وهباء لا يؤبه له، يجتمع بعضه إلى بعض ويؤلف بينه ليونة أو طراوة يستعيرها من الماء لا يلبث أن تنشف فيذهب معها كل شأن له، فإذا هو لاشيء.


مصدر الغازات المنتفخة


أما هذه الغازات فيقول العلم: إنها غازات تكونت من عفونة أجسام تحللت وفسدت ببعض عوامل التحلل والفساد، وهذه الغازات العفنة المتحللة يقابلها في المثل، أهواء المرء وشهواته ونزواته التافهة الرخيصة، فإذا كانت الغازات هي العامل الأساسي لتكوين الزبد، فإن أهواء المرء وشهواته وتعلقها بهباء من حطام الحياة الدنيا هي العامل الأساسي لوجود كل باطل في هذه الأرض.


نقط التلاقي بين الزبد والباطل


إن الباطل والزبد يلتقيان في ثلاثة أمور :
1 ـ إن كلا منهما ظاهرة عارضة ضائعة الأصل والنسبة، ليس لإحداها ما يجعلها ذات وجود أصيل يعتد به.
2 ـ إن كلا منهما شيء لا نفع له ولا ثمرة ينتهي إليها.
3 ـ إن كلا منهما سريع التحول والزوال لا استقرار له ولا دوام.


مقارنة بين الحق والباطل


أما إذا وضعنا مقارنة بين الحق والباطل لنعرف مميزات كل صنف على حدة، فسنجد:
أولا: إن للحق دائما شارة يعرف بها يتبينها كل مخلص في طلبه، صادق في الاتجاه إلى فهمه، أما الباطل فله دائما مَيِعة والتواء يتبينهما كل ذي نظر وفهم مهما جاء مكتسيا به في أقنعة الحق والرشاد.
ثانيـا: إن الحق يخاطب العقل دائما، أما الباطل فإنه يحاول أن يتسلل خفية إلى رغائب النفس
ثالثـا: إن الحق يتعامل مع الناس بالأدلة والبراهين الحرة، أما الباطل فيستعين للوصول إلى نفوس الناس بالتشويه الكاذب، أو الكاريكاتير الساخر، أو الصور المستبشعة.
رابعـا: إن الحق قد يأتي ثقيلا في وطأته على النفس، ولكنه يتسم في مقابل ذلك بالترفع عن أي غرض خفي أو حاجة مستكنة، أما الباطل فقد يكون خفيفا في وطأته على النفس، ولكنه يستبطن في مقابل ذلك غرضا خفيا يستهدف إليه بكيد وخداع، وأثقل ما في الباطل أن صاحبه يصطنع له في البراهين ما يعلم أنه ليس إلا مصانعة وتلبيسا، فهو لا يفتأ يصانع في الكلام ويشقق له المذاهب والأشكال طمعا في أن يصدق الناس ظاهر ما يقول، ويذهبوا عن باطل ما يهدف إليه.


يقين أصحاب الحق في موعود الله تعالى


إذا تقررت لدى القارئ الكريم هذه الحقائق، فقد استقر في ذهنه وفي بصيرته نورا قويا واضحا يميز به حقائق الأشياء، فلا ينخدع مع الباطل بظاهر من الظواهر، ويسهل على أهل هذا النور أن يدركوا أن مكافحة الباطل في أي ميدان من الميادين لا تكلفهم من الجهد أكثر مما يتكلفون في إزالة جيش من الزبد على وجه الماء، فلا تفزعهم الجيوش التي يعدها أصحاب الباطل لأصحاب الحق ليرهبوهم بها، ويرهبوا بها الشعب حتى لا يصاحب هؤلاء الأخيار من أبناء الأمة، والذين لا يبتغون من وراء تحركاتهم وسعيهم إلا رضا الله عز وجل، وإيصال الخير بكل أشكاله لهذه الأمة المقهورة، قال تعالى في سورة آل عمران : ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم، وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾.الآية 175


هوان أهل الباطل على أصحاب الحق


إن كل قوى الباطل مجرد زبد، لا يكلف من الجهد إلا مثل ما نتكلف في إزالة جيش من الزبد على وجه الماء شريطة أن تكون أخي القارئ، أختي القارئة على الحق، لهذا فيا عبد الله، وأنت يا أمة الله، ليسأل كل واحد منكم نفسه، أين هذا النور الذي ندرك به حقائق الأشياء؟ وماذا حققت في نفسي من شرائط أهل الحق؟ عندها ندرك أن بقاء هذا الزبد المنتفش، أو الباطل الكثيف، مرهون بالأيدي التي يقذف الله بها على الباطل فتدفعه، فمتى وجدت هذه الأيدي، وسطعت أنوار الحق في البصائر كان هوان الباطل عليها، كهوان الزبد على من يلعب به بعصاه، أو يطؤه بقدمه، أو ينفخ عليه بفمه، أو يلاشيه بكفه.


متى تهدم تماثيل الباطل؟


إن تكسير الأوثان التي تعبد في عصرنا من دون الله، لن يتم إلا بعد تكسيرها في القلوب بالتربية المستمرة، وترسيخ العقيدة الصحيحة في القلوب، وتزكية النفوس من تلك الأهواء والشهوات الفاسدة التي هي السبب في تكون الباطل، تأسيا بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يكسر الأصنام التي كانت فوق الكعبة المشرفة إلا بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، أي بعد واحد وعشرين سنة من البعثة، والتي كانت كلها تربية، وتزكية للنفوس، عندئذ أزالها بعود فقط، كما يزال الزبد الطافي فوق الماء. روى البخاري في صحيحه عن معاوية بن زيد قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: ) رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع ودخل مكة متجها إلى البيت وحوله ثلاثة مائة وستون صنما، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده، وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل؛ جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد(، وبعد أذان بلال رضي الله عنه على ظهر الكعبة، خطب عليه الصلاة والسلام واستفتح خطبته فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده..." (.


فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل


فلا تستعجلوا أيها الأحباب الكرام قطف الثمرة قبل نضجها، بل صاحبوا أهل الحق، فإن الطباع تجلب الطباع، فاختاروا لأنفسكم من أطاع، واعلموا أنه لا تزال طائفة من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة.

واعلموا أن الباطل زاهق ـ يقينا في وعد الله، وتصديقا بقانونه سبحانه في الكون ـ طال الزمن أم قصر، فكونوا من أصحاب الحق ولا تكونوا من أصحاب الباطل الذين قال فيهم الحق عز وجل في سورة المؤمنون: ﴿بل جاءهم بالحق،وأكثرهم للحق كارهون ﴾.الآية71 وفي سورة الزخرف: ﴿لقد جئناكم بالحق،ولكن أكثركم للحق كارهون ﴾. الآية79


وجوب استحضار يوم الحساب


أيها القارئ الكريم، لا تنس أن وراءنا يوما عبوسا قمطريرا، يوما تكشف فيه الحقائق، وتبلى السرائر، إنه يوم الدين، يوم التغابن، يوم الحسرة، يوم الندامة، يوم يتحسر أصحاب الباطل على ما فرطوا في جنب الله عز وجل، قال تعالى في سورة الأنعام وهو يصور حالتهم وندمهم وحسرتهم: ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد، ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال: أليس هذا بالحق، قالوا: بلى وربنا، قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، ألا ساء ما يزرون. وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾.28 ـ33

لا إله الله، محمد رسول الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا غالب إلا الله.

- - - - - - - -

بقلم: بن سالم باهشام خطيب جمعة بمسجد أم الربيع بمدينة خنيفرة لمدة
عشرين سنة(1986 ـ 2006) دون مقابل من الأوقاف أو أية جهة أخرى،
ومطرود من المسجد بكل أنواع القوة، ومنزوع من المنبر لانتمائه لأهل الحق
الدين استعصوا على التدجين ورفضوا الخضوع للباطل.

 

تاريخ النشر : 23/04/2007

 

 

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين ودريته وآل بيته كما صليت على آل سيدنا ابراهيم إنك حميد مجيد